::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> دراسات وأبحاث

 

 

الرسول "محمد" صلى الله عليه وسلم أَبـاً

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان  

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.
 أتناول في هذه الدراسة شخصية سيدنا «رسول الله» صلى الله عليه وسلم أباً.. كيف كان أباً لبناته وأولاده وأحفاده وذريته وأصهاره؟ كيف كان يتعامل مع آل بيته ومن حوله من أقارب وأرحام، حتى المرضعات اللواتي أرضعنه؟ كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غاية الرقة والعذوبة في معاملته لآل بيته رضوان الله تعالى عليهم، وخاصة بناته وأبنائهن الذين كانوا ريحانته صلى الله عليه وسلم، وكان لهم في قلبه محبة عظيمة وكبيرة؟
سأتحدث عن حب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لبناته، عكس ما كان الأمر في الجاهلية وقبل الإسلام؛ حيث كان كثيرٌ من الآباء لا يحبون البنات، إنما يميلون إلى الذَكَر، ولذلك انتشر في عهدهم خُلقٌ ذميم ألا وهو وأد البنات ودفنهن وهنّ على قيد الحياة؛ خشيةَ العار، أو تشاؤماً من ولادة الأنثى، فكان أحدهم إذا بُشر بولادة الأنثى اسودّ وجهه لها، وأما إذا بشر بولادة الذكر فإنه يذبح الذبائح، ويقيم الاحتفالات فرحاً وابتهاجاً بهذا المولود الذي سيكون شجاعاً، وشهماً، وبطلاً، وفارساً يحمل اسم عائلته وعشيرته وقبيلته...
أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وُلد له أربع بنات، فكان أمره مختلفاً تماماً، وكانت نظرته إلى بناته نظرة متميزة؛ فهو الذي فرح بولادتهن، وذبح الذبائح فرحاً بقدومهن، وكل ذلك قبل الرسالة والنبوة، وكان يُضرب المثل بحسن أخلاقه، وصفاته الكريمة، وسجاياه الفاضلة التي كانت شيئاً جِبِلِّيَّاً وفطرياً في شخصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم...
موقف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من ولادة بناته رضي الله عنهن:
تعالوا بنا أيها الإخوة لنلاحظ هذا الحوار الذي دار بين "أم أيمن" (بركة الحبشية)، والتي كانت بمثابة المربية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الجارية في بيت السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، دار بينها وبين "سُليمة الخزاعية" حوار طريف فيه معانٍ رائعة..
بركة (أم أيمن) تهرول في السوق في مكة المكرمة مسرعة يعلو وجهَها الفرحُ، فإذا بها تصطدم بسليمة الخزاعية فتصيح بها: ماذا دهاكِ يا بركة؟ لماذا تهرولين وكأنك لا ترين أمامك؟! فتقول بركة الحبشية: إني ذاهبة إلى الصادق الأمين بالبشرى! فقالت سليمة الخزاعية: وأية بشرى؟ قالت أم أيمن: لقد وضعت الطاهرة خديجة ابنتها الرابعة فنظرت سليمة الخزاعية مذهولة مندهشة إلى أم أيمن وقالت لها: أتبشرينه بالأنثى الرابعة؟ وهل يُبَشَّر بالأنثى؟ فقالت أم أيمن: نعم. فاقتربت منها سليمة وهمست في أذنها وقالت لها: يا أم أيمن! اصدقيني القول.. فقالت: فيم أصدقك؟ قالت: كيف يتلقى سيدك خبر ولادة الأنثى وهي الرابعة؟ فضحكت أم أيمن وقالت لها: إن سؤالك هذا يعود بي إلى اليوم الذي وضعتْ فيه الطاهرة خديجة ابنتها الأولى زينب، وحينها كُلِّفتُ بنقل الخبر إلى الصادق الأمين، فذهبت إليه وأنا أرتعد خوفاً، وأتوقع أنه سيدفنني مع الوليدة في قبر واحد، لكنني فوجئت بما أدهشني وأثار عجبي، فقالت لها سليمة: وكيف يا بركة؟ قالت: ما كان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه يسمع أن زوجته وضعت أنثى حتى أشرق وجهه بالفرح، وأسرع إلى الوليدة، فحملها وهو سعيد بها، ثم قبّلها وهنأ أمها بها، ثم أمر بذبح الذبائح، ومدَّ الولائم احتفالاً بمولد هذه المولودة الجديدة.
قالت بركة: بعد هذا الحوار انطلقتُ أهرول من جديد فرحةً مستبشرة، بينما وقفت سليمة مندهشة وهي تفكر.. لقد ذاقت مرارة الثكل مرات ثلاث عندما وأد زوجها فلذاتِ كبدها، ولم يعبأ بتوسلاتها، ولم يرقَّ لبكائها ونحيبها. كذلك كان يفعل معظم الآباء في بيئتها، إنهم مفتونون بوأد البنات، والقبر عندهم هو خير الأصهار، ومن لا يئد البنت فإنه يُذِلُّها ويسومها سوء العذاب، ويقول لها وهي في الطريق إلى بيت زوجها إن كان من أقاربه: أيسرتِ وأذكرتِ ولا أنّثتِ - أي تلدين الذكور ولا تلدين الإناث - وجعل الله منكِ عدداً وعزاً وجلداً. وأما إن كان غريباً عنه فيقول لها: لا أيسرتِ - أي لم يكن في زواجك اليسر أو اليسار، أي الهناءة ورغد العيش - ولا أذكرت، فإنك تدنين البعداء وتلدين الغرباء، فقد كانوا يتشاءمون من زواج المرأة من رجل غريب، ويتشاءمون من ولادتها للأنثى ولا يجدون أي شيء فيه بشر أو هناءة أو سعادة إن هي ولدت أنثى.
سليمة الخزاعية أكبرت فعل الصادق الأمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتمنت لو أن كل الآباء وفي مقدمتهم زوجها فعلوا فعله، ولم تكن تدري في وقفتها آنذاك أن الصادق الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم سيكون الرحمة المهداة إلى الدنيا، ولو قُدِّرَ لحُجُبِ الغيب أن ترتفع عن عينها لرأت الصادق الأمين وقد بُعث رسولاً نبياً بالدين الحق الذي حرّم وأد البنات، وكرم الأنثى، وأكد أن المرأة والرجل من مصدر واحد، وهذا ما نزل في التنزيل في قوله سبحانه وتعالى:[]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء...[] سورة النساء (1). ثم بعد ذلك نزل تشريع كامل شامل عام يَنْظُم وضعَ المرأة في المجتمع، ويكفل لها الحياة الكريمة سواء كانت أماً أو أختاً أو زوجاً أو بنتاً في سائر أحوالها.
وقد كان موقف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولادة البنات موقف الأب الإنسان الذي يستقبل البنت منهنّ سعيداً، مشرق الوجه، متهلل الأسارير، ليكون قدوة لأولئك الذين قست قلوبهم، وغلظت أكبادهم، وخلت نفوسهم من الرحمة، والذين وصفهم ربنا سبحانه وتعالى في سورة النحل:[]وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (59)[] سورة النحل. كانت عقيدة الجاهلية في الأنثى عقيدة فاسدة وظالمة، فجاء التشريع الإسلامي ليعلي مكانة الأنثى، وليرتقي بها إلى مصافّ الرجال، وليكرمها، ولتكون آخرُ وصية يوصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالنساء خيرا". متفق عليه. فكيف لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حَرِيّاً وحفياً بالبنت ولو كانت الرابعة؟؟! والله سبحانه وتعالى جعله رحمة للعالمين، أفلا يكون رحمة لبناته فلذات أكباده؟؟!
أجل أيها الإخوة! سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رُزق من الزوجة الأولى له "السيدة خديجة رضي الله عنها" بأربع بنات، وهن على التوالي: "زينب"، و"رقية"، و"أم كلثوم"، و"فاطمة" رضي الله عنهم وأرضاهم. وبين رعاية رسول الله وحبه وحنانه وعنايته بالسيدة خديجة رضي الله تعالى عنها، وبين حفاوته بالبنات تكاملٌ عظيم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كما كانت السيدة خديجة رضي الله عنها يعنون ببناتهم، ويسعون إلى تربيتهن في حالة من اليسر والهناءة والبشر والسعادة؛ لتكون هذه الأسرة أسرة نموذجية تنشأ في جو من الجلال والمجد والشرف والطهارة.
سعي الأعداء لإيقاف دعوته عليه الصلاة والسلام من خلال تطليق بناته:
تزوجت السيدة زينب (أكبر بنات النبي صلى الله عليه وسلم) من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع، وتزوجت السيدتان رقية وأم كلثوم من الأخوين عتبة وعتيبة وهما أبناء أبي لهب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما السيدة فاطمة (أصغر بنات النبي عليه الصلاة والسلام) فكانت تعيش مع أبيها دون زوج؛ لأنها كانت صغيرة السن.
أ- موقف قريش من البعثة وسعيها لإحباط الدعوة:
ولما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت السيدة خديجة وأسلمت البنات الأربع بعد خديجة على الفور، ومضى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفّذ أمر الله تعالى، ويدعو الناس إلى الإسلام، إلا أن قريشاً أبت أن تستجيب له، بل إنها اجتهدت بالكيد له ما استطاعت، واجتمع زعماؤها يوماً وتشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا يصنعون، وكيف يوقفونه عن دعوته تلك، وكيف يكونون عقبة كؤوداً في وجه بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال قائلهم: إنكم قد حملتم عن محمد همومه، فأبو العاص تعيش زينب بكنفه، ورقية وأم كلثوم تعيشان في عصمة عتبة وعتيبة أبناء أبي لهب، طلِّقوا بنات محمد لينشغل بأمورهن عنا وعن البدعة التي يريد أن يفرضها علينا.كان هذا الاقتراح ليشدّدوا الخناق على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ب- موقف الأزواج من هذا السعي:
تردد الأزواج الثلاثة في الاستجابة لهذه الرغبة، فقد كان كل منهم يحب زوجته، ولا يجد لها مثيلاً ولا نظيراً بين نساء قريش، وكانوا يفكرون كثيراً قبل اتخاذ أي قرار، فأنى لهم أن يجدوا مثل بنات محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟؟
1- موقف أبي العاص زوج السيدة زينب رضي الله عنهما:
أما "أبو العاص" بن الربيع فقد قالت له قريش: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت، فقال لهم أبو العاص: لا والله! لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي أفضل امرأة في قريش.
كان أبو العاص بن الربيع متعلقاً بالسيدة زينب رضي الله تعالى عنها وكان يحبها، وكانت تحبه هي أيضاً. وقد روي كثيرٌ من الأخبار عن تعلقهما ببعض، لذلك لم يستجب أبو العاص لدعوة قريش ليطلّق السيدة زينب رضي الله عنها، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على أبي العاص مرة فقال في حقه كلاماً طيباً: "حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي". صحيح مسلم. هكذا كان وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي العاص بن الربيع الذي كان وفياً بالسيدة زينب حفياً بها بشكل كبير.
2- موقف عتبة وعتيبة زوجي السيدتين رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما:
صَمّمت أم جميل زوجة أبي لهب الكافرة الحاقدة الجحود التي ورد ذمّها في القرآن الكريم وسميت بحمالة الحطب، صمّمت على تنفيذ أمر قريش، وقالت لولديها "عتبة وعتيبة": "رأسي من رأسيكما حرام إن لم تطلقا ابنتَي محمد وتردانهما إليه". فما كان منهما إلا استجابا لطلبها، ونفّذا أمرها ورغبتها، فعادت رقية وأم كلثوم إلى بيت أبيهما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إقامتهما عند رسول الله لم تطل...
قصة زواج النّورَين (رقية وأم كلثوم) من عثمان بن عفان رضي الله عنهم:
تزوجت السيدة رقية من رجلٍ شهم كريم كان أحدَ الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، والذي رضي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم إني رضيت عن عثمان فارض عنه". "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم". إنه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين.
تزوج السيدة رقية رضي الله عنها وهاجر بها إلى الحبشة، فكانا أول المهاجرين، وبعد هجرته إلى الحبشة هاجر بها إلى المدينة المنورة، وهناك مرضت السيدة رقية، وماتت في المدينة المنورة يوم أن جاء البشير إلى المدينة بانتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى، وحزن عليها سيدنا عثمان حزناً شديداً، لانقطاع صلة المصاهرة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاتها، وقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك الحال فقال: "يا عثمان ما الذي أصابك؟" فقال عثمان: "وهل دخل على أحد ما دخل علي يا رسول الله؟! ماتت ابنة رسول الله التي كانت عندي، وانقطع ظهري، وانقطع الصهر الذي كان بيني وبينك يا رسول الله!" ولكن النبي صلى الله عليه وسلم  طيّبَ خاطرَ عثمان فزوجه أختها أم كلثوم، فبقيت معه إلى أن توفيت في السنة التاسعة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكانت قد أقامت عنده ست سنوات بعد أن دخل بها، لذلك سمي سيدنا عثمان بـ "ذي النورين"؛ لأنه تزوج رقية وأم كلثوم بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُعلَم أحد تزوج ابنتي نبي غير سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
قصة السيدة زينب مع زوجها أبي العاص بن الربيع رضي الله عنهما:
أ- فداؤها له بعد وقوعه في الأسر:
توالت الأحداث مسرعة على حياة الرسول الله صلى لله عليه وسلم وبناته رضي الله عنهن، فمات أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ووزير دفاعه، ولحقت به السيدة خديجة رضي الله عنها بعد أيام قليلة، وسمى الناس ذلك العام "عام الحزن"؛ لأن المصائب كثرت على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدنية واستقر بأصحابه فيها استقرارَ أصحاب الدار في دارهم، ثم وقعت معركة بدرِ الذي قُتل فيها أبطال قريش وصناديدُهم، وأُسر عدد كبيرٌ من رجالاتها، وبينهم أبو العاص بن الربيع زوج السيدة زينب رضي الله عنها، فاستعد أهل أبي العاص لفدائه، وكان الفداء قد وصل إلى أربعة آلاف درهم (وكان مبلغاً كبيراً آنذاك)، لكنّ زينب رأت أن تفتديَه بما هو أعز وأثمن من المال، فأرسلت إلى أبيها قلادة كانت لأمها السيدة خديجة رضي الله عنها، وقد أهدتها إليها يوم زفافها مع أبي العاص بن الربيع، فلما رأى رسول صلى الله عليه وسلم القلادة تذكر السيدة خديجة رضي الله عنها، فرقّ لها رقةً شديدة وقال مخاطباً أصحابه: "إن رأيتم أن تطْلِقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا". سنن البيهقي الكبرى. فقالوا: نعم يا رسول الله! فأطلقوا زوجها الأسير، ورَدّوا عليها قلادتها.
هنا ملمح لطيف في رقة قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعلقه بزوجته الأولى السيدة خديجة رضي الله عنها؛ السيدة المباركة والعظيمة التي لم يأتِ على التاريخ مثلُها، التي كانت ترعى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمالها، وكانت تواسيه بجاهها، وكانت تجعل من منزلته منزلة عظيمة عندها، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحن لها، ويرق فؤاده إليها، وكان يذكرها كثيراً بعد وفاتها، حتى أن الله سبحانه وتعالى أبدله بنساء غيرها جميلات وطاهرات وعفيفات، ومنهن السيدة عائشة رضي الله عنها؛ الفتاة الجميلة البِكْر، ابنة صاحبه أبي بكر رضي الله عنه، ومع ذلك لم ينسَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة خديجة، فكان يكثر من ذكرها، حتى أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: "ما غِرْتُ كما غرت من خديجة رضي الله عنها وأرضاها".
إذاً أطلق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أسر أبي العاص بن الربيع وأصبح حراً، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام العهد على أبي العاص أن يخلي سبيل زينب فوعده خيراً، أي أن يرسلها إليه، وأن تقيم مع أبيها؛ لأنه على الكفر وزينب على الإسلام، فلا يصح أن تقيم عنده.
ب- إعادتها من قبل زوجها إلى بيت أبيها عليه الصلاة والسلام:
لما وصل أبو العاص إلى مكة أمر أخاه كنانة فخرج بزينب رضي الله عنها في النهار ليوصلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدنية، ووُضعت السيدة زينب في هودج، فإذا برجل يقول له "هبّار بن الأسود" يتصدى لهودج السيدة زينب رضي الله عنها، فيروعها، ويخوفها، ويوقعها وهي في هودجها، وكانت حاملاً فسقطت، وطرحت ما في بطنها، فبرك كنانة أخو أبي العاص، ونَفَر كنانته[1] وصاح في غضب يقول: "والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهماً". فتراجع عنه الناس، فجاء أبو سفيان يعاتب كنانة لخروجه بها في النهار، وطلب منه أن يعود وينتظر حتى يهدأ الناس، ثم يخرج بها ليلاً، وكذلك كان، خرج بها في الليل فلم يعلم أحد بخروجها من مكة المكرمة، ولما بلغ الخبر سيدَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً، وأمر أن يُحرَق هبّار وصاحبه الذي كان معه يوم روّعا السيدة زينب وأوقعاها من هودجها، واعتديا عليها وأفقداها جنينها. فلما كان اليوم الثاني، قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما". وقد ورد في رواية أخرى: "اقتلوه ولو وجدتموه معلقاً بأستار الكعبة".
        جـ- إجارتها لزوجها في المدينة المنورة:
بعد ذلك لجأ أبو العاص بن الربيع إلى السيدة زينب مستجيراً[2] في المدنية المنورة، وكان ذلك بعد أن لقيته سَرِيّة فيها مئة وسبعون رجلاً ومعهم سيدنا زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه، وكان أبو العاص يقود تجارة عائداً بها من الشام إلى مكة المكرمة، فأمسك به المسلمون وبتجارته، فدخل أبو العاص على زوجه السيدة زينب مستجيراً بها، فخرجت زينب حتى وصلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكبّر في الصلاة والناس معه يكبرون، فصاحت السيدة زينب: "أيها الناس! إني أجرت أبا العاص بن الربيع". فلما سلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: "أيها الناس! هل سمعتم ما سمعتُ؟" قالوا: نعم، قال: "والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت منه ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم". سنن البيهقي الكبرى. فإذا كان أدنى المسلمين شأناً يمكنه أن يجير أي إنسان، فكيف بالسيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟! ثم خرج النبي عليه السلام ودخل على ابنته زينب فقال: "يا بنية! أكرمي مثواه، ولا يَخْلُصْ إليك؛ فإنك لا تحلّين له". مجمع الزوائد. منعها من أن يقترب منها زوجها؛ لأنه لا يزال على الكفر وهي على الإسلام، وهذا يحكم بالفراق بين الرجل وزوجه.
ء- رجوعها إلى زوجها بعد إسلامه:
ردّ المسلمون على أبي العاص تجارته التي أمسكوها، فعاد بها إلى مكة المكرمة، وسلّم الأموال إلى أصحابها، وبعد أن أدى الأمانات والحقوق إلى كل من كان يتاجر لهم بمالهم قال لهم: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله". وأعلن دخوله في الإسلام، ثم قال: "والله ما منعني من الإسلام عندما كنت بين يدي محمد صلى الله عليه وسلم إلا تخوّفي أن تظنوا بي الظنون، وأني أردت أكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم، وفرغت منها، أسلمت وأعلنت دخولي في دين محمد صلى الله عليه وسلم". فأبو العاص بن الربيع لمّا وجد حسن المعاملة، وحسن الإكرام من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تألفاً لقلبه، ومن زوجته السيدة زينب رضي الله تعالى عنها، التي كان معلقاً بها تعلقاً كبيراً، عاد إلى مكة المكرمة، وردّ الأموال والتجارة والبضائع والحقوق إلى أصحابها، ثم أعلن دخوله في الإسلام، ثم عاد أبو العاص إلى زوجته السيدة زينب رضي الله تعالى عنها، حيث ردّها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه. وقد حَسُن إسلامه، وصحِب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المدنية المنورة.
هـ- وفاتها رضي الله عنها تاركةً ما يخفف حزن أبيها وزوجها عليها:
بعد سنة من عودتها إلى زوجها توفيت السيدة زينب، وتركت له أمامة وعلياً بن أبي العاص رضي الله عنهما وأرضاهما، لعله يجد فيهما العزاء، وكانت أمامة صورة مصغرة عن أمها زينب رضي الله عنها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد فيها ما يخفف حزنه على أمها، فكان يأنس بها، ويُسْبِغ عليها الكثير من حبه وعطفه وحنانه، وقد ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحملها على عاتقه ويصلي بها، فإذا سجد وضعها حتى يقضي صلاته، ثم يعود فيحملها، وفي ذلك رعايةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الطفلة التي فقدت أمها، وأُنْسٌ به.
السيدة فاطمة الزهراء .. بَضعةُ المصطفى صلى الله عليه وسلم:
تحدثنا عن قصص ثلاثٍ من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الطيبات الطاهرات، أما رابعة البنات فهي السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها...
أ- ولادتها رضي الله عنها:
ولدت الزهراء فاطمة رضي الله عنها يوم أرادت قريش أن تضع الحجر في مكانه من الكعبة المشرفة، وكانت قريش تعيد بناء الكعبة، فاختلفت فيمن يضع الحجر في مكانه، وكادوا يقتتلون، ثم ارتضوا أن يحكموا أول من يدخل عليهم المسجد، فكان الداخل محمداً صلى الله عليه وسلم الذي كان يعرف بالصادق الأمين، فقالوا: هذا الأمين، رضينا به حكماً، فأشار عليهم أن يبسطوا رداءً، وأن يحمل كل رئيس عشيرة بطرف، فلما بلغ الحجرُ موضعَه الذي هو فيه أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجرَ ووضعه في مكانه، فانطفأت الفتنة.
ب- منزلتها عند أبيها عليه الصلاة والسلام وعند زوجه السيدة عائشة:
تقول عنها سيدتنا عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت قطُّ أفضلَ من فاطمة غيرَ أبيها". فقد كانت السيدة فاطمة رضي الله عنها تشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيْء؛ خَلْقاً، وخُلُقاً، حتى في مشيتها رضي الله عنها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق السيدة فاطمة رضي الله عنها: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة". صحيح البخاري. وقال أيضاً في حديث صحيح يرويه الإمام البخاري: "فاطمة بَضعةٌ مني، فمن أغضبها أغضبني". صحيح البخاري.
كان للسيدة فاطمة منزلةٌ عظيمةٌ في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تروي ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها، وكانت تحب فاطمة حباً كبيراً، وكان بينهما علاقة مودة؛ لأنهما كانتا قريبتي السن من بعضهما. تقول السيدة عائشة: "كانت إذا دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها، فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي عليه الصلاة السلام إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها". فقد كان الحب متبادلاً بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ابنته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
جـ- أحد مواقفها مع أبيها عليه الصلاة والسلام:
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيَتها مشيةُ رسول الله صلى الله عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مرحباً يا بنتي". الطبقات الكبرى. ثم أجلسها عن يمينه وأسرّ إليها حديثاً فبكت، ثم أسرّ إليها حديثاً فضحكت". فقالت عائشة: "ما رأيت كاليوم أقرب فرحاً على حزن. فسألتها عما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت فاطمة": "ما كنت لأُفشيَ على رسول الله سره". فلما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها فأخبرتني أنه قال: "إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني به العام مرتين، وما أراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لُحوقاً بي، ونِعم السلف أنا لك". فبكيت. فقال عليه الصلاة والسلام: "ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟". فضحكتُ". هذا حال من الأحوال التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين بناته رضي الله عنهن وأرضاهن.
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ببناته وعشيرته:
توالت الأيام والسنون، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنةً، وأذِن الله لنوره ووحيه أن يتَنَزَّل على قلبه عليه الصلاة والسلام، فدعا إلى الإسلام أهله وأصدقاءه سراً، ومكث على ذلك ثلاث سنين، حتى نزل قوله تعالى:[]وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[] سورة الشعراء (214). فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليمةً دعا إليها الناس، ثم صدع بأمر ربه وأخذ ينادي بقومه: "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله! سليني بما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً". صحيح البخاري. هكذا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومَه وأهلَه وعشيرتَه الأقربين، حتى أنه عليه الصلاة والسلام كان يحرص على كل واحد من أفراد عائلته أن يكون له نصيب أوفى من الرعاية والاهتمام.
أيها الإخوة القراء! هذا غيض من فيض من علاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناته وآل بيته الأطهار الأخيار، الذين أمرنا عليه الصلاة والسلام أن نؤدب أولادنا على حبهم فقال عليه الصلاة والسلام: "أدبوا أولادكم على ثلاثة خصال: حب نبيكم، وآل بيته، وتلاوة القرآن". كشف الخفاء.
دعاء:
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحب آل بيته الأطهار، وأن ينفعنا بالقرآن الكريم، وأن يجعله شافعاً لنا ومشفعاً يوم الدين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
 


[1] نَفَرَ كنانته:أي أخرج السهام من جعبته.
[2]الإجارة في عرف العرب: أن يجير سيد من سادات قريش أو سادات مكة أو سادات الأنصار أيَّ إنسان فيدخل في جواره فيقول: "فلان في جواري". أي في حمايتي ورعايتي.

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 5457

 تاريخ النشر: 01/02/2014

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب


 
النتائج  |  تصويتات اخرى

 1022

: - عدد زوار اليوم

2009719

: - عدد الزوار الكلي
[ 29 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan