::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> كلمة المشرف

 

 

(رحلةُ سلامٍ إلى أرض السَّلام في زمن السَّلام)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان  

رحلةُ سلامٍ إلى أرض السَّلام في زمن السَّلام

 

نسمات الحج إلى بيت الله الحرام هبَّت، وأفواج الحجيج سافرت أو بدأت، قاصدةً البلد الحرام والكعبة المشرَّفة والمشاعر المقدسة، لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي فرضه الله سبحانه على هذه الأمة في السنة التاسعة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: )ولله على النَّاس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا(.

إنه الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي تمم الله به الشعائر والفرائض العمليَّة، التي هي عُمُد هذا الدين وأركانه. والحج يكون في هذه الأيام المباركة: أيام عشر ذي الحجة.

فحياتنا تحتاج بين الحين والآخر إلى تجديد يعيد لها قوة الإيمان ويحيي فيها نبض العقيدة وينمي فيها إحساس العبودية لله سبحانه وتعالى.. نحن بحاجة إلى تجديد يعيد إلى القلب رقته، فيخشع القلب لآيات الله ويتدبر معانيها وينقاد لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتدي بسنته.. نحن بحاجة إلى تجديد يحول حياة الإنسان من رتابة في أداء العبادات إلى حضور القلب في العبادات.. إلى إحساسٍ بجمال العبادات.. إلى رادع يقف أمام ارتكاب المعاصي والمحرمات.. ففي حياة المسلم فرصٌ متعددة لتجديد حياته وتجديد إيمانه، وخاصة في الأزمنة المباركة، وها هي العشر الأوائل من ذي الحجة وما يليها من أيام النحر والتشريق، أيامٌ مباركة، أودع الله فيها الفضائل لتستيقظ النفوس وتعلو الهمم..

هي أيامٌ مباركة لأنها تضم خير يومين في السنة: يوم عرفة، ويوم النحر. ففي يوم عرفة يقف الناس في عرفة ويدنو الله من عباده ثم يباهي ملائكة السماء بأهل الموقف فيقول لهم: ((أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له)). والفضل في هذا اليوم ينال غير الحاج أيضاً حيث منحه الله بركة هذا اليوم بالصيام فصومه يكفر ذنوب سنتين، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده)). وهو يوم التوحيد، في أكبر مشهد لتوحيد الله تعالى في وقوف الناس في عرفة.

ويوم النحر، يوم عظيم، يتلو يوم عرفة، وفيه تنحر الأضاحي يقول تعالى: )فَصَلِّ لربك وانحر(، أي انحر ذبيحتك لله وحده.

هذه أيام مباركة، يستحب فيها العمل الصالح ويستحب أن تُستقبل بالتوبة الصادقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام: ((ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام))، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟، قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)).

فكل العمل الصالح عظيم ومطلوب في هذه الأيام، لكنها نالت الشرف الأكبر لأداء الحج فيها، فالحج أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله، سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل يا رسول الله؟ قال: ((إيمانٌ بالله ورسوله. قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله ، قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور)). رواه الإمام البخاري.

والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يرجع الحاجُّ وقد غُفرت ذنوبُه وعاد كيوم ولدته أمه، قال عليه الصلاة والسلام: ((من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق رجَعَ كيومَ ولدته أمُّه)) رواه البخاري.

وهو وسيلةٌ عظمى لحطِّ السيئات ورِفعة الدرجات، لأنه يهدِم ما كان قبله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه: ((أما علمتَ أن الإسلامَ يهدِم ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجَّ يهدم ما كان قبله)) رواه الإمام مسلم في صحيحه. وهو فرصةٌ عظيمة للإقبال على الله تعالى بشتى القربات وأنواع الطاعات؛ إذ يجتمع في الحج من العبادات ما لا يجتمع في غيره، كالصلاة والصدقة والإنفاق والذكر والصوم، ويتفرَّدُ الحج بالوقوف بعرفةَ والمبيت بمنى ومزدلفة، ورميِ الجمار وإراقة الدماء تقرباً إلى الله تعالى.

الحج شحنةٌ روحيةٌ وعاطفيةٌ ووجدانيةٌ للإنسان المسلم، يقصد مكة محرماً، متجرداً من ثيابه العادية، ثياب الصنعة والتزويق والجمال، ويلبس ثياباً فطرية طبيعية، بعيداً عن المظاهر والتكلُّف وصنعة الخياط، وهي أشبه ما يكون باللباس الأخير الذي يرتديه الإنسان وهو يغادر الحياة الدنيا متوجهاً إلى الحياة الآخرة الباقية...

إن مشهد الحاجِّ وهو يرتدي ملابس الإحرام مردِّداً النشيد العلوي الخالد بصدق وإخلاص: (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك). إنَّ هذا المشهد تتجلى فيه حقيقة العبودية لله تعالى، فكمالُ المخلوق يكمن في تحقيق العبودية لربه، وكلما ازداد العبد تحقيقاً لها، ازداد في الكمالات، وارتقت رتبته، وعلت درجته.

في هذا المشهد تذلُّلٌ لله، وخضوعٌ إليه، وانكسارٌ بين يديه، وما نداءُ التلبية إلا إعلانٌ للهجرة إلى الله تعالى، تاركاً الأهل والمال والوطن، مقبلاً عليه سبحانه، متجرداً من ثيابه، لابساً إحرامه، تاركاً للطيب عازفاً عن النساء، يؤدي المناسك بقلبٍ خاشعٍ وطرفٍ دامعٍ، ولسانٍ ذاكرٍ، وجهادٍ للنفس وقمعٍ للهوى، وتغلُّبٍ على الشيطان...

فالعبادات في الإسلام لها غايات كبرى ونتائج عظمى، وفي مدرسة الحج يتدرب المسلم على الصبر والثبات وتحمُّلِ المكاره ومغالبة الشدائد، كما يتدرب على المساواة والعدالة، فلا فرق بين غنيٍّ وفقير، ولا أبيضَ ولا أسود ،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع في أواسط أيام التشريق:

((أيها الناس إنَّ ربكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمرَ على أسود، ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى...))

يتدرب المسلم في مناسك الحج على مفهوم الوحدة بين المسلمين، فهذه أمةٌ واحدة، آمنت بربٍّ واحد، واتبعت رسولاً واحداً، وأدَّت شعائرَ واحدةً، ولها قبلةٌ واحدة، قرآنٌ واحد، وهدفٌ واحد، ومنهجٌ واحد، إنها وحدةُ المشاعر ووحدةُ الشعائر، ووحدةُ الهدف والسلوك والعمل التي جسَّدها قول الله تعالى: )إنَّ هذه أمتكم أمةَّ واحدة وأنا ربكم فاعبدون( [الأنبياء 92].

الحج مؤتمرٌ رباني للأمة الإسلامية، يلتقي فيه أبناؤها من مشارق الأرض ومغاربها بدعوة ملَكيةٍ ربانية، ليلتقوا على كلمة سواء، ويشهدوا منافعَ لهم، ومن أميز هذه المنافع مغفرةُ الله تعالى، كما ورد في الحديث: ((إنَّ الله تعالى يباهي أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاؤوني شُعثاً غُبراً من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخشون عذابي، أُشهدكم أني قد غفرتُ لهم، وأجبتُ دعاءهم، وأعطيتهم ما سألوني، وأعذتهم مما استعاذوني)).

الحج رحلة السلام.. إنه رحلة السلام إلى أرض السلام في زمن السلام..

أما أرض السلام: فهي الكعبة المشرفة والبيتُ الحرام، الذي قال الله تعالى فيه:

)ومَن دخله كان آمناً( [آل عمران 97] وقال أيضاً: )وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمنا(  [البقرة 125]. وأما زمن السلام: فهو الأشهرُ المحرَّمةُ المعظَّمةُ التي تؤدَّى فيها مناسكُ الحج: )يا أيها الذين آمنوا لا تُحلِّوا شعائرَ الله ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهديَ ولا القلائد..( [المائدة 2]. فالأشهرُ الحرُمُ جعلَها اللهُ تعالى هدنة إلزاميةً للمسلمين، يُوقَفُ فيها القتالُ، وتُحقَنُ فيها الدماء، ويُصانُ فيها السلام...

اللهم أكرمنا بالحج إلى بيتك الحرام في هذا العام وفي كلِّ عام، واجعلنا ممن تتقبل حجهم وتغفر ذنوبهم، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين..

 

 

 

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 2113

 تاريخ النشر: 21/11/2009

2009-11-28

نور

لبيك اللهم لبيك.... اللهمّ تقبلّ من حجاج بيتك...وأرجعهم إلى ديارهم سالمين غانمين...واكتبنا معهم في العام القادم يا أكرم المسؤولين.. وكل عامٍ وأنتم بخير..

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب


 
النتائج  |  تصويتات اخرى

 1465

: - عدد زوار اليوم

3925621

: - عدد الزوار الكلي
[ 88 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan