::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> خطب الجمعة

 

 

تحريم القتل في الإسلام

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان  

 

 
خطبة الجمعة بتاريخ 10/2/2012
في جامع العثمان بدمشق
الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله وصفيُّه وخليلُه . اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على هذا النبيّ الكريم صلاة تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب وتقضى بها الحوائج وتنال بها الرغائب وحسن الخواتيم ويستقى الغمام بوجهه الكريم ، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً..
أما بعدُ فيا عباد الله: أُوصي نفسي وإيَّاكم بتقوى الله تعالى.. وأحثُّكم على طاعته والتمسك بكتابه، والالتزام بسنَّة نبيّه سيدنا محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّم ومنهاجه إلى يوم الدين..
يقول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[المائدة:27-30]
أيها الإخوة المؤمنون: عرض ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم - وهو الذي يقصّ أحسن القصص ، وجعل في القصص عبرة للمؤمنين - عرض لنا قصة ابنيْ آدم ، وقال لسيدنا محمد صلَّى الله عليهِ وسلَّم َاتْلُ عَلَيْهِمْ (يا محمد) نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ (قابيل وهابيل).. وكانت عادة سيدنا آدم عليه السلام أنه يزوّج كل مولود ذكر توأمة الأنثى من البطن الآخر.. كان يولد له في كل بطنٍ توأمان ذكر وأنثى، فكان يزوّج ذكر البطن الأول لأنثى البطن الثاني، وقد حصل أن قابيل ولدت له أخت جميلة، وأن هابيل لم تكن أخته على هذا المستوى من الجمال. فأراد قابيل أن يستأثر بأخته ويتزوجها فنهاه سيدنا آدم عن ذلك فلم ينته، وزجره فلم ينزجر. فقال لولديه: قرّبا قرباناً (أي قدّما شيئاً لله تعالى ) فمن تُقُبِّلَ قربانه يتزوج هذه البنت، وتقول الروايات إن سيدنا آدم عليه السلام خرج مع ولديه إلى رأس جبل فقرّب هابيل كبشاً سميناً عظيماً وكان صاحب غنم، فقدّم أحسن كبشٍ لديه قرباناً إلى الله تعالى، وأما هابيل فكان صاحب زرع وقمح فقدّم قمحاً بسنابله واختار أردأ أنواعه، ولما وجد في السنابل سنبلة قمح جيدة أكلها.. وكان من عادتهم أنهم إذا تُقُبِّلَ منهم القربان – أي : الصدقة - تنزل النار من السماء فتأخذه ، فوضع كل واحدٍ قرباناً وانتظروا ، وانتظر معهم ، فإذا بعمودٍ من النار ينزل ويأخذ كبش هابيل.. الكبشَ السمين ، الصدقةَ التي قدمها من قلبه وهذه علامة الأتقياء أنهم ينفقون أفضل ما لديهم.. ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾] آل عمران:92[ ينفقون أحسن مالديهم وأجوده، فلمّا رأى قابيل أن قربان أخيه قد تُقُبِّلَ وأن قربانه لم يُتَقبّل قال له : لَأَقْتُلَنَّكَ  ، نظر له نظرة حسد وأبغضه، فأمسك بحديدة كانت بيده وضرب بها أخاه حتى قتله. أما هابيل فقال له لئن حاولت قتلي فلن أقتلك. لماذا ؟ لأنه يخاف من الله رب العالمين، ولأنه يريد أن يبوء بإثمين: إثم القتل وفعل القتل. ( نية القتل والشروع في القتل ) ثم أن يكون من أصحاب النار.. لأن القاتل في النار، كما قال النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم وكما أخبرنا بأحاديث كثيرة أن القاتل الظالم إنما يكون جزاؤه النار.. جاء في حديث يرويه الإمام البخاري عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم يقول : "أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور أو قال وشهادة الزور".
جزاء القاتل في النار. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ.. وجد الأمر سهلاً، ووجد إزهاق الروح أمراً يسيراً لذلك قال النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم: "لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم كفلٌ من دمها"، أي نصيبٌ من وزرها.. أي : إلا تحمّل قابيل وزر هذا الدم ؛ لأنه أول من قتل، لا تقتل نفس ظلماً إلى قيام الساعة إلا تحمل قابيل مسؤولية هذا القتل، ويتحمل مسؤولية القتل كذلك كل من رخص له أو شرعه أو أباحه أو تركه مهملاً دون أن ينهى عن قتل الدماء وقتل الأبرياء حرمةً لهذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى..
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:70]
وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:4]
أيها الإخوة المؤمنون: القتل جريمة كبرى في الإسلام، جريمة عظيمة لا يجوز للإنسان أن يمارسها أو أن يترخص فيها أو أن يغضَّ الطرف عنها.. القتل جريمة ارتكبها ابن آدم الأول، ومشى على هذا النمط كل من لا يخاف الله، وكل من سيتحمّل المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى عن القتل وإباحة سفك الدماء..
يقول النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم في تعظيم شأن الإنسان وتعظيم شأن المؤمن : " لَزَوالُ الدنيا أهونُ عند الله تعالى من قتل رجل مؤمن".. هذا الإنسان عظمه الله وكرمه، وجعل له مكانة، جعل له رسالة، حمّله مسؤوليات.. فلا يصح أن يُقْتَل ولا يجوز أن يُغضَّ الطرف عن قتله؛لأن الدماء محرمّة في ظل الإسلام.
إذاً ؛ لأجل هذا أيها الإخوة جعل الله لنا هذه القوانين ، ومنها قانون القصاص:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾  [المائدة:32]
نعم أيها الإخوة المؤمنون: لقد وصلنا لزمن كثر فيه القتل كما أخبر الرسول صلَّى الله عليهِ وسلَّم بأنه يكثر فيه الهرج وهو القتل وسفك الدماء. والمسلمون إخوة فيما بينهم، لا يجوز التقاتل فيما بينهم، ولا يجوز أن يقاتل المسلمُ المسلمَ . قال النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم في حديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  "سباب المسلم فسوقٌ وقتالُه كفرٌ".. كأنما يعلن الردة ويخرج من الإسلام كل من يمارس القتل ويشرعه ويكون هذا الأمر بالنسبة إليه سهلاً أو ميسراً ..
أيها الإخوة المؤمنون: آن للإنسانية أن تدرك أن الإسلام جاء ليعظم الإنسان وليصون حرمته وحرمة دمه وحرمة ماله وحرمة عرضه.. ولكي يحفظ الإنسانية والحياة على وجه الأرض خاليةً من هذه الجرائم التي ترتكب في شتى بقاع الأرض..
أجل ، أن نعظّم دم الإنسان.. وأن نعظّم شأن الإنسان.. ولنسعَ إلى كف الأيدي عن قتل الأبرياء وسفك دمائهم، حرمةً لهذا الإنسان، حرصاً على سلامة القلوب ووحدة الأمة والمجتمع، وليكن لنا مساهمات ومواقف إيجابية في تكاتف الأيدي وتعاضدها وتساندها، وليكن لنا كما كان للمسلمين الأوائل ،كما كان في زمن الرسول صلَّى الله عليهِ وسلَّم حرصٌ على أن يسود فيما بين المسلمين أجواء المحبة لا أجواء الانتقام، أجواء المحبة لا أجواء الكراهية والبغض والحسد ، التي أدت إلى أن يقتل ابن آدم أخاه...
أيها الإخوة المؤمنون.. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن بلادنا ما أهمّها وما أغمّها، وأن يرفع عنّا هذا البلاء وأن ينقذها من هذه الأزمة، وأسأل الله تعالى أن يفرج عن بلاد المسلمين أجمعين وأن يعيد لهذه الأمة عزها ومجدها التي كانت عليه فيما مضى.
ومن الواجب على المسلمين في هذا الوقت أن يضرعوا إلى الله تعالى بصدق، وأن يلتجؤوا إليه بتضرع صادق أن يحفظ الله البلاد وأن يحمي العباد، وأن يدفع عنها الشر والسوء وأهل السوء، وأن يحفظ علينا ديننا ودماءنا وأعراضنا وأموالنا وبلادنا ، وأن يكتب لنا الأمن والأمان والسلامة والإيمان ، وأن يكلل بلادنا بعين رعايته وحفظه، فالله سبحانه وتعالى يعلم ويرى ويسمع ما يجري...
أسأل الله تعالى أن يتقبل منا دعاءنا.. وينفس عنا همومنا.. وأن يذهب عنا البلاء والظلم والكرب.. وأن يرد هذه البلاد إلى دينها وسعادتها.. وأن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً..
أقول هذا القول وأستغفر الله لي وللمسلمين...
 

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 3417

 تاريخ النشر: 13/02/2012

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 848

: - عدد زوار اليوم

4987608

: - عدد الزوار الكلي
[ 47 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan