::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> خطب الجمعة

 

 

عليْكُم بسُـنتّي ..

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

 
خطبة الجُمعة بتاريخ 5 / 5 / 2012
في جامع العثمان بدمشق
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، يا ربَّنا لك الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهكَ وعظيمِ سلطانك، سُبحانكَ لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك.. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، لهُ الملك ولهُ الحمد يُحيي ويميتُ وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهدُ أن سيِّدنا ونبيِّنا وحبيبنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه وصفيُّه وخليلُه.. اللهُمًّ صلِّ وسلِّم وبَارك على هذا النبيِّ الكريم، صلاةً تنحَلُّ بها العُقَدُ، وتَنْفَرجُ بها الكُرَبُ، وتُقْضى بها الحوائجُ، وتُنَال بها الرغَائبُ وحُسنُ الخَواتيم، ويُستسقَى الغَمَامُ بوجْهِهِ الكريم، وعَلى آلهِ وصحبهِ وسلِّم تسليماً كثيراً..
أما بَعْدُ فيا عباد الله: أُوصي نفسي وإيَّاكم بتقْوَى الله تعالى.. وأحُثُّكم على طاعَتِهِ والتَمَسُّكِ بكتابهِ، والالتزامِ بسُنَّةِ نبيّهِ سيدنا محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّم ومنهاجِه إلى يومِ الدِّين..
أيها الإخوة المؤمنون: ورد في صحيح السنة حديثٌ يرويه الصحابي الجليل العرباضُ بن سارية رضي الله عنه عن سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم يدعو في هذا الحديثِ إلى التمسُّك بسنة رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم وعدم التفرق عنها، فيقول عليه الصلاة والسلام:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ"  
عليكم بسنتي: سنةُ رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم هي كل ما أثر عنه من قول أو فعل أو تقرير. وسنة الخلفاء الراشدين المهديينمن بعده، هي كل ما نُقِل عن الصحابة الكرام،كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم مِمَّن لم يعملوا على التفرقة في الدين، ولم يغالوا فيه، ولم يحرِّفوه ولم يبدِّلوه، ولم يبتدعوا فيه ، فإن البدعة أخطر ما ظهر على الدين، ألا وهو أن نأتي على الدين بشيء ليس فيه ولا منه، وإن البدعة مُهلِكة ومآلها النار وبئس المصير.
ولذلك نقرأ في القرآن الكريم قول الله تعالى في سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] يحذرنا ربنا سبحانه وتعالى من مخالفة أمر رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم، وذلك في سياق آية دعا فيها ربُنا سبحانه وتعالى إلى اتباع الرسول صلَّى الله عليهِ وسلَّم، وإطاعة أمره في أمورِ الدين والدنيا، ممَّا يُصلح أحوال العباد، ويكفل لهم السعادة الأخروية. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وكأنَّ في ذلك إشارةً واضحة إلى أن الذي يُخالف أمر رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم ويُعرض عن سنته ومنهجه فإنه يُفتَتَن في دينه، أو يُفتتن في دنياه، وكلا الأمرين خطير على عقيدة الإنسان المسلم، وعلى حياته الإيمانية والاجتماعية.
نعم أيها الإخوة، لقد نهى رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم عن الاختلاف في الدين والتفرُّق فيه، ورُبما يأتي الاختلاف من التشدد والغلو في الدين، وهو عكس ما جاء به الإسلام. فالنبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم يقول في الحديث الذي يرويه الإمام البخاري: " إن هذا الدين يُسْرٌ ولن يُشاد الدين أحدٌ إلى غلبه". من منّا ؟ مَن مِن المسلمين يستطيع مغالبة الدين؟ لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتقيه ما استطعنا فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] جعل التقوى قدر الاستطاعة، حتى لا يكلفنا فوق طاقتنا.
وبيّن لنا النبي عليه الصلاة والسلام أن أمر الدين يسر لا مشادة فيه، ولا يدعو هذا الدين إلى أن نتفرق أو أن نختلف أو نتشدد من أجله، فقد كان منهج النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم العمليّ منهجَ اليسر لا العنف، ومنهج التيسير لا التشديد، وكان من وصايا نبينا عليه الصلاة والسلام أن قال: " بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا ". دخل النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم ذات يومٍ المسجد فوجد حبلاً ممدوداً بين ساريتين، فقال: لمن هذا الحبل؟ قالوا: إنه لزينب تصلي من الليل، فإذا تعبت اتكأت عليه، فقال عليه السلام معبّراً عن يسر الإسلام وسماحة الدين وعدم الغلو فيه والتشدد قال: "حُلُّوه، وليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتَرَ فليرقد". أي: لا تشددوا على أنفسكم، وهو ما قاله عليه الصلاة و السلام في حديثٍ آخر في لفظ آخر: " خذوا من الأعمال ما تطيقون , فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملوا ". أي اعملوا ما تستطيعون المداومة والمواظبة عليه، كما كان حال النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم، فقد سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن عمل رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم فقالت: "كان عمله ديمةً " ، أي: متواصلاً. وكان أحب الأعمال إليه ما دُوومَ عليه، ولو كان أمراً يسيراً. ومن هنا نفهم معنى قول رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم: " ركعتان في جوف الليل خيرٌ من الدنيا وما فيها ". ركعتان، لم يقل عشر ركعات، أو عشرين ركعة، بل إنه أشار على المواظبة عليهما، ركعتان مع المواظبة عليهما في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها. وفي ذلك إشارةٌ إلى يسر الدين وإلى سهولة الأمر في التدين، وليس معنى أن أكون متديناً أن أكون متشدداً أو أكون متنطِّعاً، فقد قال عليه الصلاة والسلام ثلاثاً: "هلك المــُــتَنَطِّعون هلك المــُــتَنَطِّعون هلك المــُــتَنَطِّعونأي: المتشددون في أمر الدين، المتعمقون في البحث عن الأمور، والخارجون عن الحد الوسط الذي وصف به ربنا سبحانه وتعالى هذه الأمة في القرآن الكريم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وإن الحاجة إلى هذا الموضوع في هذا الزمن، إن الحاجة إلى التمسك بالدين، والتمسك بسنة رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم كما وردت عنه، دون زيادةٍ أو تحريفٍ أو تبديلٍ أو تشدد أو تنطُّع، تأتي في هذا الزمن مخرجاً لكثيرٍ من الأزمات.. فالأزمات كثرت، والشدائد عمّت، وما أحوجنا زمن الشدائد والأزمات - ونحن نتكلم في فقه الأزمة منذ زمن بما يناسبها من حلولٍ من القرآن والسنة- ما أحوجنا إلى التمسك بسنة النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم في كل أمورنا، وليس أن نعمد إلى مبدأ التخيل والانتقام، بما يناسب هوانا أو بما يناسب المصالح التجارية والمصالح السياسية والمصالح الاقتصادية، وغير ذلك ممَّا يجدُّ ويطرأ في حياتنا.
فها نحن نسمع الاختلاف في الدين، والاختلاف في الفتاوى والتضارب فيها، وفق الأهواء والتوجهات والأهداف البعيدة، التي تخص كل إنسان بما يناسبه. وليس ببعيد عنا ما رأيناه منذ زمن حول اختلاف بعض العلماء في زيارة بيت المقدس، فمن محرمٍ لمشددٍ إلى مبيحٍ ومن يسمح بذلك، وكلٌ ينهج منهجاً ربما يوافق مبتغاه، ولكننا في النهاية إنما نريد ما يريد الدين، إنما نبحث عمَّا جاء في الدنيا عن سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم وما فيه مصالح الأمة جمعاء دون النظر إلى المصالح الشخصية، أو ترجيح رأيٍ على رأي، وبدأنا نسمع الخلاف في مسائل الهرج والقتل والفتن، فهذا الاختلاف وذاك الافتراق، هو الذي نتج عن بعدنا عن سنة و منهج سيدنا محمد صلَّى الله عليهِ وسلَّم.
واليوم نسمع عن انتخابات في ظلَّ الدين، انتخاباتٍ رئاسية ونحو ذلك في ظلِّ الدين، ونرى اختلاف وتباين الناس فيها. لماذا أيها الإخوة؟ لماذا نجعل الدين الشمَّاعة التي نُعلِّق عليها توجهاتنا أو أخطاءنا أو أهدافنا أو مصالحنا؟ الدينُ أسمى من ذلك كله.. الدين منهجُ سلامةٍ في الدنيا والآخرة، فلا يجوز أن يسخّره الناس لأهوائهم، ولا يجوز أن يجعله الناس غايةً أو شيئاً يقفزون من خلاله إلى تحقيق مصالحهم والنجاح في أهوائهم ورغباتهم.. الدينُ ينبغي أن يظلَّ أعظم، الدينُ ما جاء إلا لصلاح الفرد والمجتمع، ولكي يسمو فوق هذه الأهواء، فإذا وقع الناس في الأخطاء وجدوا حلولاً لها في الدين، ووجدوا حلولاً لها في منهج حياة سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم، المنهجِ الذي كان ينهل من وحي السماء، المنهجِ الذي كان يقوّمه ويسدده القرآن، المنهجِ الذي كان يترفع فيه النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم عن المصالح الشخصية أو المنافع الذاتية. فإذا نحن ابتعدنا عن هذا المنهج وقعنا في الفتن التي حذّرنا منها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] عن أمر مَن؟ عن أمر رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، فالذين يخالفون أمر رسول الله هم الذين يقعون في الفتن.
وقد جاء في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد في مسنده عن سيدنا سَهْل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم: " اللهم لا يدركني زمان، ولا تدركوا زمانًا لا يُتَّبَعُ فيه العليم، ولا يُسْتَحى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب" يدعو رسول الله أن لا ندرك ولا يدرك هو زمن الفتن، الذي لا يُتَّبَعُ فيه العالم ولا يُسمع قوله، ولا يُسْتَحى فيه من الحليم، أي: الرجل الثقة ذو الرأي السديد، يتطاول الناس عليه.
قلوبهم، أي: أهل ذلك الزمان زمان الفتن، أي ذلك الزمان الذي لا يُسمع فيه لقول العالم ولا يُقدّر رأيه، ولا يُستحى فيه من الإنسان الحليم الوجيه ذي الرأي السليم، ذلك زمانٌ تتحول فيه قلوب الناس إلى قلوب الأعاجم.. ومن هم الأعاجم؟ الأعاجم هو الذين ينطقون بغير لغتنا، ويدينون بغير ديننا، وينهجون غير منهجنا، فيكون الناس مثلهم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب.
 يتكلمون العربية وهم أبناء العروبة، إلا أنّ قلوبهم كأنما هي قلوبٌ غير مؤمنة، قلوب قست كما قال الله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. أي: قست قلوبهم بسبب ما كانوا يكسبون. لماذا ظهر الران على قلوبهم؟ إن السبب في ذلك هو ما يكسبون من الإثم والمعتقدات والأخلاق الذميمة، فنسأل الله تعالى أن لا ندرك هذا الزمان الذي أشار إليه رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم.
اللهم إنا نسألك أن تحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ورُدَّنا إلى دينك رداً جميلاً، واجعلنا مِمَّن يتمسكون بسنة نبينا محمد صلَّى الله عليهِ وسلَّم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، لا نحيد عنها، ولا نتنطَّع في الدين، اللهم اجعلنا مَّمن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، فيا فوز المستغفرين

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 2921

 تاريخ النشر: 14/05/2012

2012-06-04

سيداحمد بداه

صح لسانك اكرمك الله

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب


 
النتائج  |  تصويتات اخرى

 2464

: - عدد زوار اليوم

4567151

: - عدد الزوار الكلي
[ 119 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan