::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات متنوعة

 

 

'زوجة' المفكر الإسلامي: الهوّة بين الفكر والتطبيق

بقلم : د. أحمد خيري العمري  

الهوة بين الفكر والسلوك حالة إنسانية لا يمكن إنكارها، فليس منا من يتطابق سلوكه مع فكره تماما، ولعل البشر الوحيدين الذين تمكنوا من جسر تلك الهوة هم الرسل والأنبياء.لكن الإقرار بحقيقة وجود هذه الهوة وإنسانيتها يجب أن لا يشرعنها، بلا محاولة لتجاوزها أو ردمها، فالإقرار يجب ألا يتنافى على الإطلاق مع محاولات الردم والجسر، والتي هي في جوهرها 'جهاد أكبر' ومحاولة الإنسان للترقي في مدارجه نحو ما يستحق أن يكونه..نحو ما كلفه الله أن يكون.

لا أتحدث هنا عن موضوع للوعظ، وعن 'نهي النفس عن الهوى'، رغم أن الأمور ترتبط بطريقة ما.. لكني أتحدث عن الهوة الموجودة عند البعض من 'مفكرينا' الإسلاميين الذين نكن لهم كل الاحترام، بالذات بين تنظيرهم للإسلام، وبين تطبيقهم له على أرض الواقع، ومرة أخرى، أنا هنا لا أتحدث عن سلوكيات خاصة ـ قد لا يخلو منها إنسان وهي في النهاية بين العبد وربه ـ ولا أتحدث أيضاً عن 'اتهامات' مفترضة يوجهها أعداء هؤلاء لهم، بل الأمر يتعــــلق بهوية علنية، أظهرها هؤلاء المفكرون ـ وأشدد هنا على احترامي الشخصي لنتاجهم الفكري ـ وكانت هذه الهوية المعلنة تتناقض مع هذا النتاج.
ولكي أكون أكثر وضوحاً، وتحديداً، فإني أتحدث هنا كمثال عن ثلاثة من أهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين، نتاجهم الفكري هو من أهم ما أنتج في الخمس وعشرين سنة الماضية وأكثره رصانة، و على الرغم من ذلك، فإن لكل منهم هوية تناقض هذا النتاج أو على الأقل لا تعبر عنه.. وهذه الهوية، يحملها كل منهم على رأس زوجته الحاسر.. أي التي لا تلتزم بحد أدنى من غطاء الرأس بالمعنى السائد.

وللتوضيح أكثر، فإن هؤلاء المفكرين لم ينجروا قط إلى التنظير ضد الحجاب، كما فعل سواهم من أدعياء التجديد، على العكس ، فقد كانوا من المنافحين عنه ـ على الأقل في أزمة الحجاب في فرنسا ـ ولكن هذا كله، عندما نرى هوية السفور على رأس الزوجة، سيبدو أنه دفاع عن مفهوم الحرية الشخصية (وبضمنها حرية ارتداء الحجاب) وليس عن مفهوم الحجاب كفرض شرعي.

والحقيقة أن الحكم على نتاج مفكر ما من خلال زوجته وثيابها قد يكون أسوأ طريقة على الإطلاق، لكني هنا لا أقيم النتاج الفكري على الإطلاق، وأشدد على احترامي ـ بل وإعجابي الشديد ببعضه ـ ولكني أتحدث عن كون هذا التناقض، يقف كعقبة وعائق في طريق تفعيل هذا النتاج الفكري المهم، وتحويله من مجرد فكر نخبوي، إلى فكر يعيش مع الناس ويعيشون به.

و ترك 'غطاء الرأس' لن يخرج الزوجة و لا زوجها من الإسلام حتما ، هذا أمر مفروغ منه تماماً ، و لكن ينبغي هنا أن لا نتجاوز خصوصيتين اثنتين : الأولى خصوصية وضع المفكر الإسلامي الذي يشبه إلى حد كبير 'كرسي الإفتاء' شاء أم أبى.

والخصوصية الثانية تتعلق بخصوصية أمر الحجاب نفسه و كونه 'هوية' حضارية يعلن المفكر من خلاله و بشكل عملي رؤيته للحجاب (ولأمور كثيرة من خلال الحجاب) حتى لو لم ينطق..و 'الحجاب' هنا لم يعد أمرا شرعيا آخر، و لم يعد مجرد 'غطاء للرأس' : لقد صار قضية حضارية، قضية تغريب أو لا تغريب .. صار رمزا لهوية و رمزا أوليا لمنظومة فكرية متكاملة في مواجهة منظومة تغريبية متكاملة أيضاً ، الحجاب بهذا المعنى لم يعد يحتمل التأويل الذي يحاوله أدعياء التجديد للتفلت منه ، لأنه لم يعد يسكن نصاً واحدا يمكن الالتفاف عليه عبر حيل التأويل و التفلت بل صار جزءا من الانتماء الحضاري و التطبيقي لهذه المنظومة بأسرها.

وقد يقول قائل: إن المفكر ـ في النهاية ـ هو مجرد إنسان، له ما له وعليه ما عليه، وإن مقاييس الحكم عليه قد لا تتطابق بالضرورة مع مقاييس الإنسان العادي ـ أو حتى مقاييس الداعية الذي يجب أن يقترب أكثر فأكثر سلوكياً من ما يجب أن يكون. ربما.. لكن هل مفارقة المقياس هذه تصل إلى حد مخالفة أمر قرآني صريح، والسير به أو إلى جانبه علناً؟ أفهم تماماً أن متطلبات الداعية الإسلامي وأولوياته مختلفة عن تلك التي تخص المفكر الإسلامي، لكن هناك حدودا أيضاً لهذا المفكر الإسلامي، حدودا وضعها الله عز وجل للجميع، وخروجه عنها لن يكون لصالح نتاجه.. ولا لصالحه..واعني بالحدود مرة أخرى هذه المنظومة الفكرية التي يكون فيها الحجاب تعبيرا عن قيم داخلية عميقة و مرتبطا ببنية تحتية من القيم .

وقد يقول قائل آخر: إن المفكر الإسلامي ليس مسؤولاً عن زوجته إن كانت غير ملتزمة بفكره، ولن يكون أفضل من نوح ولوط في هذا المقام ـ والحقيقة هي أننا لا نعرف إن كانت زوجة نوح كانت ترتدي غطاءً للرأس أم لا! ونحن لا نتحدث هنا عن كون الزوجة نموذجاً كاملاً لكل ما يؤمن به زوجها، بل نتحدث عن حد أدنى مطلوب لكي لا يحدث التناقض الحادّ بين الفكر والسلوك، علماً أن المفاصلة و المقاطعة قد حصلت بين كل من نوح ولوط وزوجتيهما ـ وهو أمر لا نلاحظ له أثراً في الأمثلة المذكورة، (بل قد نلاحظ العكس!).

حسناً . لِم نحاسب 'المفكر الإسلامي' على زوجته؟ أليس لاختيار شريكة الحياة دلائل تطبيقية وعملية؟ هل يمكن حقاً أن ننظّر ضد 'الغزو الفكري الثقافي' ونعلن استسلامنا لهذا الغزو ونطبقه في الوقت نفسه؟ هل يمكن أن نتحدث عن تسليع الحضارة الغربية للإنسان وتحويله إلى 'شيء' وتكون أظافر الزوجة وهندامها بمثابة 'وسيلة إيضاح' لهذا التسليع الغربي للمرأة كإنسان وكأنثى في الوقت نفسه؟!

ربما كان المفكر الإسلامي منتمياً إلى تيار آخر يوم اقترن بها ثم اقترب بالتدريج من التيار الإسلامي، بينما لم يحدث هذا مع زوجته؟ كيف نحاسبه بأثر رجعي على اختيار اتخذه قبل أن يصبح مفكراً إسلامياً؟  

مرة أخرى، هذا ليس محاسبة ولا حتى دعوة لتطليق الزوجة! ـ ولكن إذا كان ولا بد، فلا داعي للزوجة أن تتمتع بمكانة زوجها كمفكر، ولا داعي أكثر أن تتحدث باسمه ـ كما حدث للأسف..

أحد هؤلاء ـ وهو من أهم المفكرين المعاصرين قاطبة ـ كان قد انتبه لذلك، وكان قد تحول من أقصى اليسار ليكون واحداً ممن قدموا إضافات كمية وكيفية للفكر الإسلامي المعاصر ـ بينما بقيت زوجته (التي أشدد أيضاً على احترامي الشخصي لها) تعرِّف عن نفسها بوضوح وصراحة أنها منتمية لتيار آخر.. كان هذا المفكر يقول عن إيمانه بعد الإلحاد: ((إنه اعتنق الإسلام كرؤية للحياة))، وكان يشدد كثيراً على هذه الكلمة في أحاديثه وكتاباته، الأمر الذي يعني أن الإيمان هنا اعتناق لفكر تجريدي دون تفاصيل، دون ثوابت عملية تطبيقية.. ومن ضمنها بالتأكيد هذا الحجاب و أشياء أخرى لا مجال للخوض فيها و هذا كله قد يكون ما أسماه المفكر نفسه 'بالعلمانية الجزئية' ـ التي يبقى الدين فيها مصدراً للقيم الأخلاقية العليا، دون الدخول في 'التفاصيل'.. لكن أليس هذا تهميشا للدين ، وخطوة نحو العلمانية الشاملة، حتى لو لم يكن المفكر يقصدها بهذا المعنى؟
وقبل أن يقول أحد أن هذا تكريس لتبعية المرأة لزوجها، أحب أن أوضح أن واحدة من الزوجات في هذا المثال هي مفكرة إسلامية ، بل ويمكن اعتبارها عالمة أيضاً، على الرغم من ذلك، فقد كانت تعلن هويتها هذه، كإعلان عن عمق الهوة بين الفكر والسلوك.
أعي تماماً حساسية الخوض في هذا الأمر كله، وأشدد على احترامي لكل هؤلاء المفكرين ولنتاجهم ولزوجاتهم، لكني أتطلع إلى الأمر من زاوية 'خيبة الأمل' التي تستشعرها الأجيال الطالعة التي سئمت هذه الهوة الواسعة في مفكريها، فبعد كل شيء: إذا كان الفكر عاجزا عن التغيير و لا يمكن تطبيقه حتى في تفاصيله البسيطة الأولية ، فما الجدوى إذن من كل شيء؟

هذه الأجيال لا تريد من مفكريها أن يكونوا ملائكة لكنها تتطلع إلى نموذج تطبيقي لا يخلو من هوة هي جزء من الطبيعة البشرية ، لكن المهم أن لا تكون هذه الهوة متناقضة تماما مع أمر شرعي واضح و يمتلك خصوصية واضحة في عصرنا الحالي..أي أنها 'هوّة ' بمقاييس معقولة.. ليست سحيقة!

اللهم قلص من الهوة بين فكرنا وسلوكنا ، سواء كانت ظاهرة كهوية علنية أم باطنة لا يعلمها إلا أنت ، واغفر لنا، اللهم آمين.

 

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\24g76.htm&storytitle=ff'زوجة'%20المفكر%20الاسلامي:%20الهوّة%20بين%20الفكر%20والتطبيقfff&storytitleb=د.%20احمد%20خيري%20العمري&storytitlec=

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 4206

 تاريخ النشر: 25/11/2008

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 660

: - عدد زوار اليوم

7620341

: - عدد الزوار الكلي
[ 76 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan