::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات متنوعة

 

 

احتراف الفقر ....

بقلم : ديمة محمد ديب هديب  

"من مال الله يا محسنين"

كيف يستطيع الإنسان أن يضع نفسه في موضع الذل بعد أن أعزه الله ؟!

كيف يستطيع الإنسان أن يجلس جلسة الإهانة بعد أن كرَّمه الله ؟!

كيف يمكن لأحدهم أن ينسج قصة من الخيال ثم يعيش تفاصيلها بكل بساطة ؟! فحياته كلها عبارة عن كذبة كبيرة كذبها ولاذ بحماها كلما أراد وأحب ..

كيف يتحمل هؤلاء الناس نظرات الشفقة والرحمة وربما الإزدراء والإستهزاء والتكذيب والسخرية ؟!

وكيف ؟! وكيف ؟! وكيف ؟!

أسئلة كثيرة تدور في خلدي وتجوب خاطري وتستأثر بتفكيري عندما أرى نزلاء الشوارع والأرصفة والطرقات قد أتَوا إليَّ حاملين بين جنباتهم قصصاً تدور بين الحقيقة والخيال يتفننون في إقناعك بها ؛ فهم محتاجون لما يسد رمقهم أو ما يوصلهم إلى محطات الإنطلاق إلى محافظات أخرى أو يريدون دواء معينا يتوقف موتهم عليه وقصص أخرى ما أنزل الله بها من سلطان ..

ولا أدري هل هم حقاً محتاجون أم هم حقاً محتالون !!

فلكثرة ما قالوا أصبحنا لا نصدقهم ؛ ولكثرة عددهم أصابتنا الحيرة في أمرهم هل يستحقون ؟!

قصصٌ كثيرة نسمعها وروايات حفظناها ومشاهد لا ننساها ؛ فمن منا لم يشاهد المرأة المسكينة التي تحمل طفلها الرضيع وتطلب النقود ولا أدري ما هو ذنب هذا الطفل أن يحيا طول حياته في قارعة الطريق ؛ ومن منا لم يشاهد منظر الرجال _ ويا أسفى على الرجال _ الذين يفترشون الطريق أمام المساجد ويقولون " من مال الله يا محسنين " مع أن منهم أصحاء ويستطيعون العمل ؛ ومن منا لم يركض ورائه أطفال صغار يطلبون المال وينتهزون الفرص المناسبة ففي أيام الامتحانات يذهبون للجامعات ويلاحقونك مبتهلين إلى الله بالدعاء أن تحصل على أعلى الدرجات وتكون الأول على الكلية و طبعاً سوف تأخذ نصيبك من الدعاء عليك إن رفضت إعطائهم المال ؛ ومن منا لم يلاحقه بائع صغير طالبا منه شراء علبة البسكويت _ مع العلم أنها ذات طعم مميز يستحيل أن تتقبله معدتك بأيِّ شكلٍ من الأشكال _ وربما لحقه مسافات طويلة أو وقف بجانبه على إشارة المرور ؛ صحيح أنَّ هذا عمل لكنه استئجار لهذا الطفل كي يتسول بطريقة أكثر شرعية من قوله : " أريد مالاً " ؛ وأذكر لكم قصة لا تغيب عن بالي أبداً لأنها كانت تحصل معي كل يوم : ففي أحد مواقف الباص يقف هذا الطفل وما إن تتوقف الإشارة حتى يصعد إلى الباص طالباً من الركاب " سعر سندويشة فقط لأنه جائع ويريد أن يأكل " وما إن يتغير لون الإشارة ولا يحصل على المال حتى يتغير وجهه وينطلق إنطلاقة واحدة بالشتائم والسباب وأمور أخرى تلحق بجميع الركاب ثم ينزل وهكذا في كل يوم حتى قررت أخيرا أن أغير طريقي حتى لا أصادف هذه المأساة في كل يوم _ سبحان الله هذا عمله طوال شهور كاملة _ وهذه الحالات معروفة في كل الدنيا وممكن للإنسان أن يتغاضى عنها لكثرة رؤيته لها ؛ لكن أقبح هذه الأنواع وأبعدها عن الدين هو التسول بالدين .. هكذا ورغماً عنك تُعطى سورة ياسين أو أي دعاء ويقف الأخ الكريم طالباً سعراً لهذا الكتيب .. وطبعاً لا يرضى بأي سعر لأن هذا كلام الله ولا يُقدَّر بثمن ..

بالتأكيد الفقر موجود في كل العالم والحاجة موجودة وربما فرص العمل قليلة ؛ لكنَّ الله عز وجل لا يضيع أحد والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قال : " لئن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل النس أعطوه أو منعوه " هكذا كان هدي النبوة كان مشجعاً للعمل نابذاً للكسل حتى وإن كانت الحرفة بسيطة لكنها خير من أن يبقى الإنسان عالة على غيره ..

هذا هو فقر الإحتراف وليس فقر الحاجة ؛ فمن كان فقيراً بحق يتعفف عن سؤال الناس بهذه الطريقة المهينة ، فتجدهم خجلين من مد أيديهم لك مع أنك تعطيهم حقهم، وبالمقابل فقير الاحتراف تجد نفسك خجلاً منه وأنت تعطيه .. لأنك تخاف من سلسلة الشتائم التي تلحق بك بعد ذلك ؛ والمشكلة اليوم أنَّ التسول أصبح مهنة ولها أساليبها ومنظومتها ولا تدري ربما أصبح لها كتب في الأسواق تعلِّم الناس كيف يتسولون !! فهذا الطفل الصغير وتلك الفتاة الناشئة لم يتعلما لوحدهما بل كان هناك من أخرجهما من المدرسة ودفعهما إلى قارعة الطريق يتعلمون منها ويتعلمون !! هؤلاء الأشخاص هم اليد السفلى في هذا المجتمع وغيرهم ممن انتهج نهجهم كثير..

هذه مشكلة عظيمة وظاهرة خطيرة تتفاقم يوماً بعد يوم وتسيء إلى مجتمعنا .. فمن هو السبب في هذه الظاهرة برأيكم !؟

هل هو الفقر !؟

هل هي قلة فرص العمل ؟!

هل من يعطي نزلاء الشوارع هو السبب ؟!

هل ضعف اليقين بأن الله هو الرزاق ؟!

وفي النهاية هل نحن محسنون عندما نعطي من يقول لنا " من مال الله يا محسنين " ؟!

  

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 3526

 تاريخ النشر: 21/12/2008

2008-12-22

h.d

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" متفق عليه. فإذا أردت أن تعطي من سألك وأن غير متأكد من صدقه، فأعطه شيئاً قليلاً لا تندم عليه. اللهم صُن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار....

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 577

: - عدد زوار اليوم

7620175

: - عدد الزوار الكلي
[ 76 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan