::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات متنوعة

 

 

الصيام من أجل غزة :”صمام الأمان” الشعائري ..!

بقلم : د. أحمد خيري العمري  

لأن قوانين الفيزياء هي جزء من منظومة "سُننية" أكبر بكثير من مجرد الفيزياء كعلم مستقل، فإن بعض جوانب النفس و المجتمعات الإنسانية تنطبق عليها قوانين مماثلة لتلك التي تنطبق على المعادلات الفيزيائية الجامدة..

و هكذا فاإن قوانين الفعل ورد الفعل وقوانين ضغط الماء تنطبق على البخار المضغوط كما في التجربة المعروفة و المشاهدة عملياً.. و تنطبق أيضاً وبطريقة مشاهدة ومحسوسة على النفس الإنسانية على المجتمع بشكل عام.. فنرى الضغط يزيد و يزيد لدرجة الانفجار ونرى للفعل رد فعل.. مساو ومعاكس.. وكما استطاع الإنسان أن يستخدم السنن والقوانين ليسخرّها لخدمته، فإن بعض المؤسسات الاجتماعية تمكنت أيضاً من استخدام نفس تطبيقات الأمان من أجل تأخير رد الفعل أو تحجيمه أو  حتى إلغائه ..

و هكذا فإن زيادة الضغط وصولاً إلى حافة الانفجار أدّى إلى ابتكار "صمام الأمان" من أجل احتواء ذلك – قد وجد أيضاً تطبيقات اجتماعية تفعل الشيء نفسه لامتصاص زيادة الضغط الاجتماعي.

”صمام الامان الاجتماعي“ هذا يفترض بشكل حاسم أن الانفجار أمر خاطئ و مضر للمجتمع لذا فهو يقوم باحتوائه كما هو الأمر في التطبيقات الفيزيائية المباشرة.

لكن من قال إن الانفجار دوماً أمر سيء؟  ربما كان الانفجار أحياناً عملية لا بُدَّ منها، خاصة عندما يطيح بما يجب أن يعاد بناؤه، بما لم يعد ممكناً الاستمرار فيه.. خاصة عندما يهدم أسساً ظالمة و قواعد خاطئة قام عليها مجتمع عليه أن يراجع أسسه و مقوماته.. من هذا المنطلق فإن صمام الأمان الاجتماعي هذا، الذي يؤخر الانفجار ” محمود العواقب“، لا يمكن أن يمنح الأمان إلا للمؤسسات القائمة المستفيدة من واقع الخراب و الفساد.. أما الأمان الحقيقي، بعيد المدى… متعدد الأبعاد، فهو بالتأكيد يأتي من إقامة أسس جديدة قد يتطلب بناؤها هدم ما يجب هدمه.

صمام الأمان الحقيقي هنا هو ذاك  ليس الذي يخفف الضغط من أجل دفع الانفجار، بل هو الصمام الذي يحوّل الضغط المتزايد إلى عامل بناء- بدل أن يكون هدماً عبثياً فحسب..

أقول هذا كمقدمة لا بد منها قبل الدخول إلى "حقل ألغام" الحديث عن ذلك التوظيف السلبي للشعائر في مواجهة الأزمات عموماً.. وأعتقد أن استخدامها في مواجهة المذبحة الجارية حالياً في غزة، هو مثال عملي قريب و واضح عن كل ما أود قوله.

منذ أن بدأت المذبحة الأخيرة  أنا، كما ملايين غيري، نستلم على البريد الالكتروني وعلى الجوّال، رسائل تنادي و تدعو بأداء شعيرة معينة (الصيام  أو قيام الليل أو الدعاء ) من أجل غزة و أنا بالتأكيد أقدّر جداً الدوافع النبيلة خلف هذه الدعوات ولا أشكك على الإطلاق في نية من ينادي بها، لكن ” النية الحسنة “ لا تكفي لجعل العمل صواباً. أنا هنا أتحدث عن ثقافة متأصلة ومتوارثة عندنا يمكن تسميتها بثقافة صمام الامانالشعائري.. و يكفي القليل فقط لاستفزاز هذه الثقافة  واستحضارها..

كعراقي، مر بما يشابه ما يمرّ به سكان غزة، لا أستطيع إلا أن أذكر شعوري الحاد بالمرارة من ذلك التعاطف الشعبي العربي الذي كان يتخذ شكل الصيام و الدعاء.. أذكر بالذات عند بدء الغزو في آذار 2003  ولم تنقطع الاتصالات تماما إلا في اليوم الثالث أو الرابع من الحرب، و كنت خلال ذلك أستلم رسائل على البريد الالكتروني تدعو إلى التضامن معنا من خلال الصيام والصلاة  الدعاء من أجلنا.. و لا أزال أذكر ذلك الشعور المر والتساؤل الذي يطفو بعده : حسناً جداً، و لكن ماذا بعد؟

لا أقول ذلك للتقليل من أهمية تلك المشاعر ولا من نية من يروج لها.. ولكن السبب في المرارة هو أن الأساطيل التي جاءتنا مرّت من مضايق في نفس البلدان التي كان الناس فيها يتبادلون الرسائل و يصومون من أجلنا.. الطائرات التي أمطرت الموت والدمار كانت تنطلق من قواعد عسكرية في دول لا أشك أن أهلها كانوا يشاطروننا التعاطف ويصومون ويدعون من أجلنا أيضاً.. لكن ذلك كله لم يغير شيئاً مما حدث لنا وبنا..

و الوضع العراقي ليس حالة نادرة وإلا ما كان هناك داع للخوض فيه، لكن هذه ظاهرة متكررة في تأريخنا و أزماتنا ومذابحنا وأسلوبنا في التعامل معها.. ومجزرة غزة نموذج آخر مشابه جداً في خطوطه العامة لما حدث معنا.. وأي مجزرة أخرى ستكون مشابهة أيضاً ما دامت جزءاً من ظاهرة عامة أكثر من كونها حدث عابر..

يمكن القول بتبسيط: إن الشعوب مغلوبة على أمرها.. وهذا صحيح، وهو لب المشكلة  بالضبط : إنها ”مغلوبة“ على أمرها أكثر مما يجب، بالضبط  لقد قولبت داخل ثقافة جعلتها كذلك..

هناك ثلاث عوامل أساسية في هذه الظاهرة، هناك عدوان خارجي ( مذبحة، حصار، غزو.. إلخ) و هناك تواطؤ داخلي ( يتراوح بين الصمت السلبي، إلى المشاركة الفعلية غير المعلنة أو حتى شبه المعلنة في النموذج الحالي).. وهناك ثالثاً رفض شعبي لكل هذا وشعور بالتعاطف الحاد والغضب الحاد والرغبة في” الفعل“.. فعل أي شيء..

هنا، عند هذه النقطة بالذات، يأتي توظيف  الشعائر في هذا السياق، ليتدخل بطريقة أزعم أنها معاكسة تماماً للمقصد من الشعائر و العبادات في الإسلام…

الصيام من أجل غزة، قيام الليل دعاءاً من اجلها .. الخ يجعلك تشعر أنك تقوم بشيء ما من أجلها.. وفي الحقيقة أن استجابة الدعاء من قبل الباري عز و جل مشروطة بسنن إلهية وضعها البارئ نفسه، والاستثناءات هنا محكومة أيضاً بهامش المضطر ] أمّن يجيب المضطر إذا دعاه [.. والمعنى هنا إن هذا المضطر هنا قد عمد إلى اتخاذ كل السنن و العمل بها لكن ذلك بقي يحتاج إلى تدخل إلهي للسداد وللتوفيق أو النجاة من ظروف استثنائية، أما من اكتفى بالكسل و التواكل و اللافعل فليس داخلاً حتى في ”سُنة “ استجابة الدعاء.. وقد قال العملاق عمر بن الخطاب (( لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق فإن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة)).. وهي لا تمطر انتصارات كذلك للقاعدين.

و الذي يحدث هنا أن الجماهير "تغلي" لكي تفعل شيئا تجاه ما يدور .. وكما يفعل صمام الأمان في ”قدر الضغط“ فإن الصيام و قيام الليل من أجل غزة، سيخفف من غليانها، عبر إيمانها أنها على الأقل قد فعلت شيئاً..

و هكذا، وبعد أن صُمتَ يوماً أو يومين، أو الأسبوع كله، أو خلال الأزمة كلها، فإنك ستعتقد أنك قد فعلت ”شيئاً “ من أجل غزة.. وبالتالي فإنك لن تبحث عن شيء آخر لتفعله: أي إن إرادة العمل قد غيبت و استهلكت هنا.. وبالتالي عملت الشعائر هنا عمل صمام الأمان الذي يخفف من الضغط ويمنع الانفجار.. وهو الانفجار الذي يمكن أن يكون ”محمود العواقب“.. الذي يمكن أن يطيح بكل الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الدرك، الانفجار الذي يجب أن يحدث ليس ليزيح الأنظمة السياسية المتواطئة فحسب، بل ليطيح بكل البنية الثقافية التحتية التي أوصلت هذه الأنظمة، ضمن أشياء أخرى، إلى التحكم بنا.. الانفجار الذي يجب أن يطيح بثقافة الخنوع والخضوع والاستسلام لكل ما يحدث: ثقافة الدعاء للغالب والخضوع للغالب.. تلك الثقافة السلبية التي جعلتنا ما نحن عليه وغيبت معظم الإيجابيات الكامنة في ديننا وفي نصوصنا الدينية.. تلك الثقافة تستحق الانفجار لأن الاستمرار فيها لا يحقق أي أمان.. والضغط المتولد عن نتائجها (ومذبحة غزة هنا هي نتيجة بارزة من نتائجها) يجب أن لا يخفف عبر صمام أمان من أي نوع.. بل يجب أن يوظف نحو ما يجب أن يوظف نحوه..

شيء آخر يجب أن لا أتجاهله هنا، وهو أن التبرع بالأموال لغزة لا يندرج إطلاقاً ضمن نفس خانة صمام الأمان الذي تحدثنا عنه لاعتبارات واضحة، لكن ينبغي أن نتذكر هنا أن هذا ليس كل شيء: فما حدث ويحدث في غزة ليس ”تسونامي“ طبيعية لكي يكون التبرع هو كل ما يمكن القيام به، بل هو كارثة حتمية نتجت عن ثقافة آن أوان مواجهتها…

أمر آخر: بعض التيارات الإسلامية انتقدت الدعوة إلى ”الصيام من أجل غزة“ ولكن مما سيبدو إنه زاوية أخرى تماماً: فقد قيل إن هذا ”بدعة“.. وكل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار..

بغض النظر عن التوصيف الفقهي للأمر، أجد إن توظيف الشعائر كصمام أمان من هذا النوع هو بدعة فعلاً.. فالشعائر في الإسلام شرعت لتقيم الإنسان، لتشد عوده، لتجعله قادراً على بناء المجتمع وهدم ما يجب هدمه منه ضمن عملية البناء.. وليس من أجل منح بعض الأمان لقطيع الخراف المساقة إلى الذبح.

اجتزاء الشعائر من سياقها النهضوي البنّاء إلى سياق ”صمام الأمان“ هذا، هو بالتأكيد ”بدعة“.. بطريقة أو بأخرى....

المصدر : http://www.quran4nahda.com/?p=336

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 3549

 تاريخ النشر: 20/01/2009

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 168

: - عدد زوار اليوم

7549473

: - عدد الزوار الكلي
[ 41 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan